ads
menuالرئيسية

كمال الهلباوى يكتب : ولىَّ رمضان

نعم انقضى رمضان بالخير على الأمة. كثير من الخير قد لا يدركه الكثيرون «وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ». وكثير من الخير يتعلق بالروح والنفس والرضاء بالقضاء، والرضاء عن الله تعالى، ورضاء الله تعالى عن عباده. « رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ»، وطلب العفو والمغفرة للذنوب والمعاصى، حتى مع الإسراف «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ». هذه أوجه عديدة من الخير فى رمضان، قد لا يدركها من يركز على الماديات فقط أو الحياة الدنيا فقط ولا يفكر فى الآخرة. ولذلك قال «صلى الله عليه وسلم» لأم المؤمنين عائشة رضى الله عنها وأرضاها عندما سألته عن الدعاء إذا صادفت ليلة القدر، فقال لها قولى: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنى».
لكل هذا، وأشياء أخرى لا يتسع لها المقام، اخترت لك أيها القارئ هذه القصة الجميلة من تراثنا الجميل حتى نتعلم ونفكر جيدًا، ونستفيد من الزمن ومن القرآن الكريم حتى بعد انقضاء شهر رمضان، ونعرف العدو الحقيقى للإنسان. إنها قصة شقيق البِلْخِىِّ وصاحبه وتلميذه النجيب حاتم الأصم:
وتتلخص القصة فى: أن حاتم الأصمّ كان من أصحاب شقيق البِلْخِيِّ رحمة الله تعالى عليهما، فسأله يومًا قال: صاحبتنى منذ ثلاثين سنة ما حصّلت فيها؟
قال: حصّلت ثمانى فوائد من العلم، وهى تكفينى منه لأنى أرجو خلاصى ونجاتى فيها.
فقال شفيق: ما هى؟
قال حاتم:
الفائدة الأولى:
إنى نظرت إلى الخلق فرأيت لكل منهم محبوبًا ومعشوقًا يحبه ويعشقه، وبعض ذلك المحبوب يصاحبه إلى مرض الموت وبعضه يصاحبه إلى شفير القبر، ثم يرجع كله ويتركه فريدًا وحيدًا، ولا يدخل معه فى قبره منهم أحد. فتفكرت وقلت: أفضل محبوب المرء ما يدخل معه فى قبره ويؤنسه فيه، فما وجدته غير الأعمال الصالحة، فأخذتها محبوبة لى؛ لتكون لى سراجًا فى قبرى وتؤنسنى فيه ولا تتركنى فريدًا.
الفائدة الثانية:
أنى رأيت الخلق يقتدون أهواءهم، ويبادرون إلى مرادات أنفسهم، فتأملت قوله تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى* فإن الجنة هى المأوى}. وتيقنت أن القرآن حق صادق فبادرت إلى خلاف نفسى وتشمّرت بمجاهدتها، وما متعتها بهواها، حتى ارتضت بطاعة الله تعالى وانقادت.
الفائدة الثالثة:
أنى رأيت كل واحد من الناس يسعى فى جميع حطام الدنيا، ثم يمسكه قابضًا يده عليه. فتأملت فى قوله تعالى: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} فبذلت محصولى من الدنيا لوجه الله تعالى ففرّقته بين المساكين ليكون ذخرًا لى عند الله تعالى.
الفائدة الرابعة:
أنى رأيت بعض الخلق يظن أن شرفه وعزه فى كثرة الأقوام والعشائر فأعتز بهم.
وزعم آخرون أنه فى ثروة الأموال وكثرة الأولاد، فافتخروا بها. وحسب بعضهم أن العز والشرف فى غصب أموال الناس وظلمهم وسفك دمائهم. واعتقدت طائفة أنه فى إتلاف المال وإسرافه، وتبذيره.
فتأملت فى قوله تعالى: {إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم} فاخترت التقوى، واعتقدت أن القرآن حق صادق، وظنهم وحسبانهم كلها باطل زائل.
الفائدة الخامسة:
إنى رأيت الناس يذم بعضهم بعضا، ويغتاب بعضهم بعضا، فوجدت [أصل] ذلك من الحسد فى المال والجاه والعلم. فتأملت فى قوله تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا}، فعلمت أن القسمة كانت من الله تعالى فى الأزل، فما حسدت أحدًا، ورضيت بقسمة الله تعالى.
الفائدة السادسة:
أنى رأيت الناس يعادى بعضهم بعضا لغرض وسبب. فتأملت فى قوله تعالى: {إنّ الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا}، فعلمت أنه لا يجوز عداوة أحد غير الشيطان.
الفائدة السابعة:
أنى رأيت كل أحد يسعى بجد، ويجتهد بمبالغة لطلب القوت والمعاش، بحيث يقع به فى شبهة وحرام ويذل نفسه وينقص قدره. فتأملت فى قوله تعالى: {وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها}، فعلمت أن رزقى على الله تعالى وقد ضمنه، فاشتغلت بعبادته، وقطعت طمعى عمّن سواه.
الفائدة الثامنة:
أنى رأيت كل واحد معتمدًا على شىء مخلوق، بعضهم على الدينار والدرهم، وبعضهم على المال والملك، وبعضهم على الحرفة والصناعة، وبعضهم على مخلوق مثله، فتأملت فى قوله تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شىء قدرا} فتوكلت على الله تعالى، فهو حسبى ونعم الوكيل.
فقال شفيق: وفقك الله تعالى. إنى قد نظرت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، فوجدت الكتب الأربعة تدور على هذه الفوائد الثمانى، فمن عمل بها كان عاملًا بهذه الكتب الأربعة.
انتهت الفوائد الثمانية التى ذكرها الإمام أبو حامد الغزالى رحمه الله تعالى، ولكن القصة لم تكتمل بعد. وللحديث صلة وبالله التوفيق.

تم نشره في جريدة الصباح

ads

تابعنا على الفيس بوك

hao123