ads
menuالرئيسية

عادل حمودة يكتب: سر بقاء عبدالناصر 100 عام بعد رحيله

 

 نقلا عن جريدة الفجر
■ فضّل البامية على الـ«شاتوبريان» والـ”بان كيك” الذى جهزه طباخ هيكل
 
■ قدمت تحية لزوجها بطاقة تعارف أرسلها أشرف مروان قبل التقدم للزواج من منى فألقى بها عبد الناصر على الأرض
 
■ هدى عبد الناصر لم تعرف الشيكولاتة المستوردة إلا فى بيت عمها الليثى بالإسكندرية
 
■ عبد الحميد تعجب من تقديم الكيك والجاتوه مع الشاى فى بيت السادات قائلا: عندهم عيد ميلاد كل يوم الساعة خامسة
 
■ مروان لم يجرؤ على الذهاب إلى الموساد إلا بعد رحيل عبد الناصر بثلاثة شهور وإسرائيل تنتج فيلما عن تجسسه تعرضه فى يناير القادم لتشويه الاحتفال بمئوية الزعيم الخالد
فى الفصل الثانى من كتابه “عبد الناصر والعالم” يثبت محمد حسنين هيكل أن عبد الناصر الحاكم لم يتناقض مع عبد الناصر المواطن.. لم يقل ما لم يفعل.. لم يتحدث عن التقشف علنا ويغرق فى الترف سرا.. لم يرتد قطنا أمام الناس وحريرا بعيدا عنهم.. تجانس مع ذاته.. وتوحد مع البسطاء.. وعاش مثلهم.. ولم ينفصل عنهم.
كان عبد الناصر يرى “الغنى الفاحش وسط الفقر المدقع جريمة لا تغتفر”.. وكانت الفرصة متاحة أمامه ليندمج فى “مجتمع النصف فى المائة” الذى امتلك مصر ومن عليها قبل ثورة يوليو حسب ما سمعنا منه مباشرة:
“أنا قبل الثورة كنت ضابط كبير فى الجيش وعندى عربية وعندى عيلتى وعايش كويس ولا ينقصنى شيء”.
“كان من السهل علينا أن نعيش فى مجتمع النصف فى المائة ولا نعذب أنفسنا ولا نقول استثمار أو ادخار”.
“الواحد لو كان عايز يريح نفسه كان انضم لهم وأصبح واحدا منهم ويقول: ماليش دعوة لكن لو كنا كده مكناش عملنا ثورة”.
“كانوا رحبوا بيا.. مجتمع طرى ومريح وسهر ورقص مش.. شقى وعذاب”.
لكنه أعطى ظهره لذلك المجتمع المنفصل عن غيره.. “فلو وجد نفسه وسط الأغنياء أو أوجدته مطامعه بينهم لاختلفت تصرفاته”.. وما كان قد سبح فى النهر مع التيار العريض للشعب المصرى ملزما نفسه بمعايير صارمة لم يحد عنها أو يخرج عليها.
لم يمتلك أرضا أو عقارا فقد آمن بأن “الملكية هى التجسيد العملى للامتياز الطبقى” لا يجوز للحاكم التمتع به.
يضيف هيكل: “ولم يخطر بباله أن يزيد ثروته ليؤمن حياة أولاده من بعده”، وعندما رحل ” كان كل ما يملك من حطام الدنيا قرابة أربعة آلاف جنيه.. ألف وخمسمائة منها بوليصة تأمين على حياته عقدها قبل ذهابه إلى حرب فلسطين.. ثم حساب فى بنك مصر باسمه شخصيا كان رصيده حوالى ألفين وأربعمائة جنيه.. وفى المقابل كان مدينا بحوالى ستة وعشرين ألف جنيه بقيت من تكاليف بيتين.. بيت لكل واحدة من بناته.. تسكن فيه عند زواجها”.
بل إن السرير الذى نام عليه كان “عهدة” أعيدت بعد رحيله إلى الأشغال العسكرية.
وذات يوم حدثه هيكل عن الثورة التى حدثت فى الطعام فجعلت منه متعة تتجاوز الفائدة منه.. وجاءت بأطباق غير تقليدية غيرت من شهية البشر وضاعفت من قدرتهم على التذوق.. وتعجب عبد الناصر مما سمع قائلا: “إن أفخر الطعام عنده لحم وأرز وخضار”.. “وماذا يأكل الناس غير ذلك؟”.
لكن.. هيكل أراد أن يثبت له ما يقول فأرسل إليه طباخا من طاقم عنده.. يجيد تقديم “فيليه بصوص المشروم”.. ولحم “شاتوبريان”.. والبان كيك المحشو بقطع من سمك السلمون المدخن “سيمون فيميه”.. وضعها الطاهى منتشياً على مائدة الرئيس.. لكنه.. لم يلمس منها قطعة واحدة.. هو وعائلته.. وفضلوا عليها “دقية البامية باللحم الضأن” التى برعت فيها زوجته.. ودهش الطباخ مما حدث.. وعاد إلى هيكل فى اليوم نفسه بمزيد من الابتكار.
وذات يوم عاد عبد الحميد عبد الناصر وهو صبى من بيت صديقه جمال السادات قائلا: “إن عندهم هناك عيد ميلاد كل يوم”.. لقد وجد عبد الحميد بجانب الشاى الذى يقدمونه قطع الكيك والبيتى فور والجاتو وسندوتشات لحم بارد وجبن رومى.. وهو ما لم يكن أولاد عبد الناصر يعرفونه إلا فى أعياد ميلادهم.. فهم لم يسمعوا من قبل عن “شاى الساعة الخامسة” الذى يقدم “كومبليت” على الطريقة الإنجليزية.
وكان تعجب هدى عبد الناصر أشد.. فعندما كانت تزور عمها الليثى عبد الناصر فى الإسكندرية لم تكن لتعرف أنواع “الشيكولاتة” المستوردة التى تجدها هناك وتختلف عن شيكولاتة “كورونا” المصرية التى كانت تشتريها من “كانتين” المدرسة.
ويستطرد هيكل: “وكانت لمسة الترف فى نهار عبد الناصر حينما يجلس إلى العمل فى مكتبه تسجيلا خافتا لأغنية من أغانى أم كلثوم وكانت لمسة الترف فى الليل ذهابه إلى قاعة السينما فى بيته يشاهد فيلما أو فيلمين قبل أن يأوى إلى فراشه”.
ويوم رحل عبد الناصر كانت ابنته الكبرى هدى تعمل فى سكرتارية رئاسة الجمهورية «فى مكتب جانبى صغير» بمرتب ثلاثين جنيها وكان زوجها حاتم صادق يعمل فى مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بمرتب قدره مائة جنيه وكان قبل ذلك فى سكرتارية رئاسة الجمهورية، وقد تخرجا معا فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية قبل أن تحصل هدى على الدكتوراه فى الحياة السياسية قبل ثورة يوليو لتعين فى الكلية نفسها بينما قدم حاتم استقالته وانضم إلى عالم البنوك ليصبح رئيسا لمجلس إدارة أكثر من واحد منها فى مصر.
“ودخل أشرف مروان الرئاسة بينما عينت زوجته منى عبد الناصر فى دار المعارف وكانت تتبع مؤسسة الأهرام فى ذلك الوقت”.
“رفض عبد الناصر أن يكلم وزيرا أو رئيس مؤسسة ليوظف إحدى بناته خشية أن يتسابق الكثيرون عليهما وهذه مفسدة لهما فى هذه السن”.
“وفى ذلك الوقت أيضا كان أبناؤه الثلاثة خالد وعبد الحميد وعبد الحكيم فى سلك الدراسة: أولهم فى كلية الهندسة والثانى فى الكلية البحرية والثالث فى المدرسة الثانوية”.
وعندما سعى أشرف مروان لطلب يد منى عبد الناصر أرسل بطاقة شخصية باسمه ووظيفته البسيطة فى معامل القوات المسلحة.. لكن.. ما أن قرأ عبد الناصر الاسم حتى ألقى بالبطاقة على الأرض.. وعندما راجعته زوجته فيما فعل أبدى من الأسباب ما برر تصرفه.. على أن ضعف الأب تجاه الابنة جعله يستسلم فى النهاية وإن سعى فى كثير من الأحيان لتطليقها.. وفيما بعد ثبتت صحة بصيرته.. فما أن رحل عبد الناصر عن الدنيا حتى سعى أشرف مروان فى ديسمبر 1970 إلى سفارة إسرائيل فى لندن عارضا على أجهزتها الاستخباراتية خدماته.. محققا لها معجزة ما كانت تحلم بها.
لم يكن أشرف مروان ليجرؤ على أن يفعل ما فعل وعبد الناصر على قيد الحياة وإلا ضربه بالرصاص على حد تعبير سامى شرف.
لكن.. إسرائيل خلطت الأوراق بتعمد لتشويه صورة عبد الناصر وفتح ثغرة للنيل منه ميتا بعد أن عجزت عن ذلك حيا.
كشفت عن تجنيد أشرف مروان عميلا مميزا فى الموساد لم تكن لتتصور أنها يمكن أن تحظى به.. وبعد أن استفادت من معلوماته بوصفه “الملاك” الذى أنقذها من ثمن مرتفع كانت ستدفعه فى حرب أكتوبر قررت إنتاج فيلم عنه تعمدت أن يعرض فى منتصف يناير المقبل للتشويش على الاحتفال بمئوية عبد الناصر.
على أن الحقيقة التى لا يجب أن تغيب عن الأذهان هى أن أشرف مروان ذهب إلى الموساد بعد رحيل عبد الناصر بثلاثة شهور.. فى ديسمبر 1970.. وفى اللقاء الأول مع مسئول مكتب الموساد فى لندن قدم إليه محضرا سريا لمباحثات عبد الناصر مع القادة السوفييت جرت فى ديسمبر 1968.. ومن هنا جاء الخلط.. أو تعمد الخلط.
والمؤكد أن هناك أخطاء صادمة فى تجربة عبد الناصر وصلت إلى ذروتها بهزيمة يونيو 1967.. ولكنه.. اعترف بها.. وسعى إلى تصحيحها وإن لم يمهله القدر سنوات إضافية من العمر لتحقيقها.
ولنناقش بحرية تلك الأخطاء فى ندوة مفتوحة وصريحة للاستفادة منها.. لكن.. دون أن ننسى انحياز عبد الناصر إلى الغالبية العظمى من المصريين.. متجاوزا مجتمع “النصف فى المائة” الذى عاد للظهور من جديد وثبت أركانه منذ سنوات وسنوات وتلاعب بمقدرات البلاد تحت شعارات وطنية ودينية زائفة.
لقد وصف الغرب ما حدث فى 23 يوليو 1952 بأنها انقلاب عسكرى ولكن عندما وزع عبد الناصر أراضى الملك «1200 فدان من أجود الأراضى الزراعية» على الفلاحين أرسل سفير الولايات المتحدة وبريطانيا إلى حكوماتيهما برقيات سرية تؤكد أن ما جرى فى مصر تجاوز مرحلة الانقلاب ليصل إلى نقطة الثورة.. فالثورة ليست مجرد حركة بدنية لتغيير السلطة وإنما حركة بدنية لتغيير المجتمع.
ووصف السفير الأمريكى جيفرسون كافرى لحظة توزيع الأراضى على المعدمين بأنها لحظة مثيرة ليست للكبار فقط وإنما للفلاحين قبلهم.. فالفلاحون الذين أمسكوا بأيديهم عقود الملكية كانوا مذهولين.. غير مصدقين.. ومن شدة دهشتهم عجزوا عن النطق أو التعبير عن مشاعرهم ولو بكلمة واحدة.
وعندما نتأمل ما يجرى فى الساحة الإقليمية سيكون من السهل علينا إدراك أن المخططات التى تنفذ فيها تشطب ما سعى إليه عبد الناصر من جهد فى الاستقلال الوطنى بكل أبعاده السياسية والاقتصادية.
إن المجانين والدراويش هم الذين يطالبون بإعادة تجربة عبد الناصر من جديد رغم تغير الظروف على مدى السنوات التى تلت رحيله.. لكن.. العقلاء والوطنيين سيسعون إلى الاستفادة من المبادئ العامة.. الانحياز إلى البسطاء وتنمية قدراتهم والارتقاء بهم.. واختصار المسافة التى تضاعفت بين الحاكم والمواطن.. فهما وجهان لعملة واحدة اسمها الوطن.
ads

تابعنا على الفيس بوك

hao123