menuالرئيسية

د. أكرام لمعي يكتب: هل ’تحس أن الآخر سخيف؟

هناك جملة تتكرر كثيراً هذه الأيام(فلان سخيف أو فلانه) ونطلق حكمنا هذا على شخص لم يعجبنا منه تصرف معين بل أحيانا ًينتابنا شعور بسخافة الشخص ،لا لأجل تصرف معين لكن لأننا لا نقبله بوجه عام أو كما يقول البعض(هو على بعضه كده) فنسمع من يقول ان أستاذي أو زوجي أو زوجتي أو زميل العمل أو جاري سخيفا.

إن حاولنا أن نسأل أنفسنا عن معنى “سخيف”… يأتينا الجواب مختلفاً من واحد لآخر فواحد يقول دمه ثقيل وآخر (غلس) وثالث غبي وأخير يقول غير مقبول ولعلك تلاحظ عزيزي القارئ أن هذه الصفات ليست مترادفات عندئذ لابد أن نسأل أنفسنا ترى ذلك الشخص الذي نشعر تجاهه بهذا الشعور هل يتفق معي آخرون في الحكم عليه هكذا؟

ربما لا أجد أحداً يتفق معي وربما أجد شخصاً أو أكثر وربما أجد أغلبية ممن أعرفهم لديهم نفس الإحساس لكن عندما أحاول أن أحدد مجال عدم القبول سوف أكتشف عجباً، فإذا كان تصرفه مرفوضاً منى كفرد ربما يقبله الآخرون وإن رفض من جماعة ربما يقبل من جماعة أخرى أو يقبله باقي المجتمع، وإن كان غير مقبول من باقي المجتمع ككل فعلى الأقل هو مقبول في مجتمع آخر.

ومن الأمور التي تحدث معنا كثيراً أن يكون الواحد منا سائراً مع صديق حميم ثم يظهر صديق قديم لنا نحن الإثنين ويحينا ونحييه وبعد أن يتركنا يقول الصديق هذا الشخص حقيقة في منتهى اللطف وإذ بي أقول العكس هو الصحيح دمه ثقيل جداً.

ونكمل مسيرنا دون أن نتوقف لنسأل أنفسنا لماذا إختلفنا في التقييم لذات الشخص؟ وإذا اتفقنا أن القبول أمراً نسبياً يختلف من شخص لأخر، فلماذا يظهر ذات التصرف سخيفاً وغير سخيف في نفس اللحظة؟ هذا يرجع إلى معايير حكمنا على الحيثيات التي حكمنا بها أو بنينا عليها الحكم وهذه المعايير تختلف من شخص لآخر تبعاً لخلفيته وثقافته والقيم التي بنى عليها حياته وأحكامه سواء بوعي أو بغير وعي، وأيضاً الحكم يعتمد على مدى علاقتنا بالشخص الذي نحكم عليه ان كان أخاً أو صديقاً أو حبيباً أو كان منافساً أو غريماً أو ناجحاً فيما فشلت فيه،ليس هذا فقط بل إن الحكم يعتمد أيضاً على إختلاف الزمان والمكان فالتصرف الذي كان يعتبر عادياً من خمسين عاماً صار اليوم مستهجناً أو غير مقبول بات اليوم عاديا.

بالعودة الى علم النفس لفهم مثل هذه الظاهرة نجد أنه لا يوجد ما يسمى الحب من أول نظره أو الرفض من أول وهلة فإذا أحببت شخصاً ما من أول نظرة عليك أن تبحث في داخلك عن الدافع الذي جعلك تنجذب له هل هو يشبه أحد تحبه أو أحببته من قبل؟ أما إذا رفضته وكرهته فلابد أن ترجع لنفسك وتبحث داخلها عن السبب الذي دعاك للكراهية وسوف تكتشف أن هذا الشخص قد كشف عيباً ما داخلك فأنا مثلاً استمعت لكثيرين يشكون أنهم التقوا أحد الأشخاص المعروفين وطلبوا منه موعداً للقاء وإذ بالرجل يخرج أجندته ويبحث عن موعد مناسب له ثم يقول لمحدثه يمكن أن نتقابل بعد أسبوع من الساعة الخامسة حتى السادسة وإذ بطالب الموعد يغضب ويصف الرجل بالكبرياء، وهنا يقول علم النفس أن الشخص الذي يكون رد فعله هكذا هو فوضوي وغير منظم ولذلك غضب.

إذن السؤال هو لماذا أرى الأخر سخيفاً؟ هنا يجب أن أصارح نفسي بأن هناك شيئاً ما في تكويني يجعلني غير قادر على قبول الآخر.

العيب ليس في الآخر بل في نظرتي له ، وعليَّ أن أسأل نفسي  وأصارحها هل هناك شيء ما في تكويني الداخلي يجعلني غير قادر على قبول الآخر فتكويني الداخلي يرجع لطفولتي والتعليم الذي تلقيته سواء كان دينياً أو علمياً والقيم التي تربيت عليها ؟كيف أتناول طعامي؟ كيف أسير؟ كيف أجلس؟ كيف أصلي؟ كيف أتعامل مع الأكبر مني والأصغر؟ كيف أتعامل مع النساء؟

وعندما ألتقي بشخص ناضج أخلاقياً إذ به يكشف ما في داخلي من نقص وفوضى وهمجية وعنف وكأنه أتى بمرآه ووضعها أمام وجهي فكشف كل النقائص والتشوهات النفسية التي بداخلي وأنا أحاول جاهداً أن أخفيها فأخدع نفسي والآخرين وفي محاولة للنجاة من مواجهة داخلي القبيح أقوم بالهجوم العنيف على من لم يؤذني ولم يهددني ولم يحتقرني لكن مجرد ظهوره بجانبي يكشف كل نقائصي العلمية والأدبية والتربوية والأخلاقية والدينية.

قَّسم أحد علماء النفس البشر كالفواكه فهناك بشر كالتفاح والجوافه لهم رائحة جاذبه سهل قبولهم وتناولهم أصحاب نكته اجتماعيون يسخرون حتى من أنفسهم وهناك نوعية أخرى من البشر  قلبها جميل وحلو وحلاوتهم لا تقل عن الجوافه والتفاح وهؤلاء يطلق عليهم البرتقال والبطيخ وهؤلاء الناس يحمون أنفسهم من الخارج بقشرة خارجية كالخجل مثلاً أو نوع من الحياءان غير اجتماعيين انطوائيين على ذواتهم وهذه النوعية من البشر تحتاج منا إلى مجهود لنزع القشرة الخارجية وسنكتشف كنوزاً في داخلهم.

أما النوعية الثالثة فهي تشبه ثمرة جوز الهند وهذه الثمرة تحتوي في داخلها على أحلى سائل في الوجود يمكنك أن تذوقه لكن مشكلته أن قشرة جوز الهند جافة جداً وقاسية وشجرتها عالية جداً لكن هناك قردة مدربة على الصعود حتى أعلى نقطة فيها ثم تقطف ثمرة جوز الهند بقوة وتلقيها على الأرض فيجمعونها ثم يخلعون ما عليها من اللوف ولكي يخرجوا السائل الذي لامثيل له في حلاوته يأتون بشاكوش وإزميل أو سكين ويفتحون الثمرة بقوة ويشربون أحلى شراب مالا يمكن أن يتذوقون في حياتهم وهذه النوعية من الشخصيات هم الذين يتسمون بالغرور والكبرياء والبعد عن الناس لكن إذا بذلت معهم جهداً صادقاً وتحملتهم قليلًا سوف تكتشف كنوزا ًلامثيل لها هذه النظرية تقول هناك نوعيات من البشر معدنها جيد وأساسها جيد قابلين للتغير عندما يكتشفون أخطاءهم وهؤلاء هم التفاح والجوافه والبطيخ والبرتقال وجوز الهند وهناك بشر أساسهم سئ غير قابلين للتغيير مهما حدث وأصلهم مر ومملوئين حقداً وضغينة وكراهية والمشكله هنا في الجو العام للمجتمع وهل هذا الجو العام والذي تمثله المؤسسات التعليمية والدينية والفكرية والإعلامية يشجع كل من هو تفاح وجوافه ويساعد البرتقال والبطيخ على التخلي عن قشرته الخارجية الجافه نسبياً ويكسر ثمرة جوز الهند الصلدة ليستمتع المجتمع بحلاوتهم ونقاوتهم ورائحتهم الجميلة.

أم يترك أراضينا لتمتلئ بأشجار الشوك والمر والعلقم والصنوبر فتتصحر الأراضي الخضراء لتصبح جرداء قاحلة بلا نهر أو مطر بلا عشب أو ثمر بلا سماء أو قمر بلا شاعر أو نغم فلا يزهر التين ولا يكون حمل في الكروم يكذب عمل الزيتونة والحقول لاتصنع طعاماً ينقطع الغنم من الحظيرة ولا بقر في المذاود.

ترى ما هو اختيارنا ؟هل نترك مصر تتصحر أم نروي صحراءنا بعرقنا ودموعنا ؟القرار مازال في أيدينا والأجيال القادمة تنتظر ما سنفعله لنا ولهم وجيراننا التي خربت بلادها تتعلق بنا والعالم المتحضر ينادينا وسرطان العنف والتخلف يتربص بنا.

أنا متفاءل فماذا عنك عزيزي القارئ؟

ads

تابعنا على الفيس بوك

hao123