ads
menuالرئيسية

د. كمال الهلباوى يكتب “محاولة للفهم”إمتدادات الحرب بين الشرق والغرب

الموضوع: من إمتدادات الحرب بين الشرق والغرب.

تطالعنا الأخبار من حين لآخر بفاجعة جديدة على غرار تسميم سيرجى سكريبال ، الجاسوس المزدوج. وإن كانت هذه النهاية المتوقعة لكل جاسوس مزدوج حتى فى مفهوم الجواسيس أنفسهم. ولكن الضجة التى صاحبت تسميم هذا الجاسوس الروسى سكريبال وابنته فى مدينة سالزبرى فى بريطانيا، جاءت فى وقت الأعصاب فيه مشدودة، والصراع بين الشرق والغرب أخذ يتصاعد بخصوص مجموعة من القضايا، ليس من بينها قضية تسميم أو  قتل مثل هذا الجاسوس.

أقصد هنا قضايا مثل التدخل والمواجهة فى سوريا، والتدخل والمواجهة فى أوكرانيا، حيث تدعم روسيا الانفصاليين، والتدخل والمواجهة فى شبة جزيرة القرم. وكذلك الصراع على الهيمنة والنفوذ والأحلاف،  وكوريا الشمالية.

وفى ظنى أن قضية تسميم الجاسوس المزدوج سكريبال جاءت فى هذا الوقت لتكون مثل الزيت الذى يزيد النار اشتعالاً . فالجاسوس المزدوج يتوقع هو شخصيا وأسرته أسوأ مصير وكذلك من يعمل لحسابهم أو من عمل لحسابهم من قبل، لخطورة هؤلاء الجواسيس، حتى لو كان يعيش فى أكثر البلاد أمانا، فلن يتركه من عمل لحسابهم أو من عمل ضدهم. وذلك لخطورة المعلومات لدى هؤلاء الجواسيس.

حاولت بريطانيا ولاتزال تحاول الرد على هذه القضية بكل قوة ممكنة ، على الأقل حتى لا تتهم بأن لها يد فى هذا الموضوع، وأيضا حتى تتخذ هذه القضية متكأً لتصعيد الصراع مع روسيا، التى يحدوها الأمل فى النهوض مرة أخرى والمنافسة على قيادة العالم، ولا تترك العالم فى قطبية واحدة بقيادة الأمريكان ودعم الدول الغربية منذ إنهيار الاتحاد السوفياتي في أفغانستان.

الغرب لا يرتاح أبدا لوجود قوات روسية فى سوريا ، ولا يرتاح أيضا للتفاهمات التى حدثت أخيراً بين روسيا وإيران وتركيا ، ولا يرتاح الغرب كذلك فى أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن حيث تهدد روسيا بإستخدام الفيتو فى قضايا الصراع مع الغرب.

الغرب لا يريد منافسة ولا يحترم ديموقراطية فى هذا المقام.

إذن كانت جريمة تسميم الجاسوس المزدوج سكريبال وإبنته يوم 4 مارس 2018 على الأرض البريطانية ، وقودا للصراع الدائر فعلا بين الغرب والشرق، وليست منشئة لهذا الصراع، صراع بارد أحيانا وساخن أحيانا أخرى. تناول الصراع فى هذه القضية عدة جوانب منها ما هو سياسى ومنها ما هو إقتصادى ومنها ما هو إعلامى ، وبل منها ما هو رياضى بخصوص مباريات كاس العالم التى تقام بعد شهرين تقريبا في روسيا.

بريطانيا لم تمنع البريطانيين من السفر لمشاهدة مباريات كأس العالم وتشجيع فريقها الكروى ولكنها حذرت ولاتزال تحذر روسيا من تعرض مواطنيها للخطر فى روسيا. وهذا شيئ جيد يتمتع به المواطن فى الدول الديموقراطية  لأن له قيمة. ولكنه ليس مبررا للصراع على الاطلاق.

من مميزات الديموقراطية فى البلاد المستقرة أيضا ، حيال تلك القضايا أنك ترى السياسيين والاعلاميين وحتى العاملين فى مجال الأمن القومى، كل له رأيه دون إتهام بالخيانة أو العداوة للوطن . وعندما نوقشت قضية الجاسوس المزدوج فى البرلمان البريطانى تباينت الآراء حيث رأينا زعيم حزب العمال جيرمى كوربن والمتحدث بإسمه يطالبون الحكومة البريطانية ورئيستها تريزا ماى بمراعاة المواثيق الدولية فى البحث عن برهان وتقديم أدلة صحيحة على إتهام روسيا بالضلوع فى تسميم العميل المزدوج سكريبال وخصوصا فيما يتعلق بإستخدام الأسلحة الكيماوية المحرمة ( غاز الأعصاب).

ولا يضير زعيم حزب العمال أن يقول: إن بريطانيا لها تاريخ غير دقيق بخصوص المعلومات عن أسلحة الدمار الشامل، وأظنه هنا يقصد أكاذيب تونى بلير رئيس وزراء بريطانى سابق عن إمتلاك العراق لأسلحة دمار شامل فى 2003 وبعدها حتى يكون مبرراً للغرب بقيادة أمريكا لإعلان الحرب على العراق والتدخل فى شؤونه وتدمير قدراته لصالح إسرائيل. ولا يهم أن يعتذر تونى بلير عن هذه الأكاذيب فيما بعد.

لا يمكن أن يكون العراق فى عهد صدام خطراً على الغرب ولم يكن لديه أسلحة دمار شامل ولم يطور أسلحة نووية مثل اسرائيل أو الدول الأخرى، ولكنها سياسات الغرب يكشفها سياسى بريطانى معتدل هو جيرمي كوربين زعيم حزب العمال، ويضيف جيرمي كوربين فى حديثه فى البرلمان والاعلام أن الاستجابة البريطانية فى قضية سكريبال يجب أن تكون فى ضوء القانون ودعم الاتفاقيات الدولية وحقوق الانسان.

ما أروع المواقف الموضوعية التى تضع الانسان وحقوقه أولاً. الوضع هنا يختلف عن بلاد يضربها الارهاب . ثم ينادى جيرمي كوربين بضرورة أن تعمل الحكومة البريطانية مع الأمم المتحدة وأن تراعى إتفاقياتها حتى مع المنافسين للغرب أقصد روسيا، ثم كان من تبعات قضية سكريبال طرد الديبلوماسيين على الجانبين حيث تم طرد 23 ديبلوماسيا روسيا من قبل الجانب البريطانى ، ولكن المعاملة بالمثل جاءت من روسيا بطرد 23 ديبلوماسيا بريطانيا.

ليست هذه هى المرة الأولى لمثل هذه القضية فالقضايا فى هذا الميدان ميدان التجسس كثيرة فى معظم الدول . ومن المتوقع أن يزداد التوتر وتبعاته ولكن فى إطار الحرب الباردة.

ولكنها أى تلك القضية لا تؤدى إلى قطيعة ولا حروب ، لأن الغرب ذاته لا يكون له مصلحة إلا فى الحروب التى يجهز لها وتكون له فيها السبق والمفاجأة ، ولأن روسيا اليوم لا تريد حربا مع الغرب ، وقد عززت بعض مواقعها على الأرض السورية، وأطلت ببعض قواعدها للمرة الأولى منذ عدة عقود على المياة الدافئة فى البحر المتوسط.

إذن المشكلة عند الغرب ليست نهاية الجاسوس المزدوج سكريبال ولا أسرته، فهذه نهاية متوقعة لكل جاسوس حتى فى بريطانيا، ولكن جذور الصراع تكمن فى التنافس على قيادة العالم ،والسبق العلمى التقنى فى ميدان الأبحاث والاكتشافات التى تكون حاسمة مثل اكتشاف أو تطوير غاز الأعصاب أو غيره، وكذا فرض السيطرة كما هو الحال فى سوريا وأوكرانيا وشبة جزيرة القرم أو التفوق فى مجال الصراع والقوة أو التحالفات التى تقف فى طريق السياسات الأمريكية أو الغربية عموما .

والغرب يعرف بل يدرك أن قتل جاسوس أو مائة من هذا الصنف لا يكون سببا أبدا لقيام حروب ساخنة بل هى جزء من الحرب الباردة مع إختلاف حقوق الانسان وفق الأرض التى يعيش عليها الجاسوس. وبالله التوفيق.

 

ads

تابعنا على الفيس بوك

hao123