ads
menuالرئيسية

يوسف القعيد يكتب ….شهيد نوبل المصرى

جبر الخواطر..

مثلت نوبل 2018. خيبة أمل. تجلت فى ارتباك إدارة أكاديمية السويد التى تمنح جائزة نوبل فى الأداب، عندما أعلنت حجب جائزة نوبل للأداب لهذا العام. ولأن الأكاديمية الكبرى والمهمة تعيش مرحلة ارتباك. عاد المسئولون فيها ليقولوا أن الجائزة تم ترحيلها للعام القادم. أى أنه فى العام القادم سيتم منح جائزتين، جائزة 2019، وجائزة 2018.

ثم حملت لنا الأخبار ما لا يمكن تصوره. أن فى الأكاديمية التى تمنح أهم جائزة أدبية فى العالم الآن فضائح جنسية. توقف الأمر عند تلميحات وإشارات غير واضحة لحكاية الفضائح الجنسية. وأن 6 من أعضاء الأكاديمية فى اللجنة المخصصة بمنح جائزة الأداب قدموا استقالاتهم احتجاجاً على الفضائح الجنسية.

ما جرى هذا العام للجائزة لم يكن لأول مرة. مؤخراً حصل على جائزة نوبل فى الأداب المطرب الأمريكى بوب ديلان. والمضحك – وربما المبكى – أنه حصل على الجائزة كشاعر كتب كلمات أغانيه. وأنا لا أعرف قيمة بوب ديلان الغنائية فى عالم اليوم. لكن حتى شعره الذى غناه لا يستحق أن يحصل على جائزة نوبل.

الكلام عن نوبل ونحن يجعلنا نتحدث عن نجيب محفوظ الذى حصل عليها – كأول مصرى وعربى ومسلم – فى 12 أكتوبر سنة 1988 لم يمثل الفصل الأول فى علاقتنا بنوبل فى تاريخنا الأدبى علاقة أخرى عندما كان لنوبل شهيد مصرى فى سنوات مضت، ربما كانت قديمة.

القائمون على شئون نوبل كانوا قد فكروا فى أهمية منحها لأديب عربى لأنه من الصعب الاستمرار فى تجاهل آداب هذه اللغة. ويقول الذين تتبعوا القضية أنه كان هناك تفكير فى منحها للشاعر اللبنانى ميخائيل نعيمة. لكنه مات قبل أن يحصل عليها ونوبل لا يرشح لها كاتب متوفى.

لا يعرف أحد إن كان قد جرى التفكير فى منحها لطه حسين أو عباس محمود العقاد إبان حياتهما. باعتبارهما من المفكرين اللذين كتبوا إبداعاً أدبياً فى نفس الوقت. الذى قدموا فيه نتاجات فكرية. وإن كان من المؤكد أن طه حسين رشح لها. رشحته الأوساط الثقافية الفرنسية.

هناك أدباء عرب سعوا إليها. بل وسافروا إلى بلادها. وترجموا أعمالهم إلى لغتها. وفى مقدمة هؤلاء كان الدكتور يوسف إدريس يرحمه الله. الذى أصابته حالة من الغم والاكتئاب عندما علم أن نجيب محفوظ حصل عليها وتحول إلى الرافض الوحيد لعرس نجيب محفوظ بنوبل. بل إن يوسف إدريس قال لى أنه جرى الاتصال به قبل الإعلان عن الجائزة بساعة وقيل له أن يبقى بجوار الراديو لأنه سيستمع إلى أخبار سارة تهمه. وعندما جاء الخبر السار. لم تكن من نصيبه ولكنه ذهب إلى نجيب محفوظ. وهكذا تفرغ يوسف إدريس للهجوم على نوبل نجيب محفوظ. وصرح وقال بما لا أستطيع إعادة كتابته الآن.

يومها طلبت القيادة السياسية من يوسف إدريس ترك مصر والسفر إلى دولة عربية بدلاً من البقاء فى القاهرة حتى لا يصاب بحالة من الجنون بسبب الأفراح والاحتفالات الكبرى بحصور نجيب محفوظ على جائزة نوبل. وقد اختار يوسف إدريس يومها أن يسافر لتونس ليقضى عشرة أيام. طُلِب منه أن تمتد لشهر. لكن تم اكتشاف أن سفر يوسف إدريس لم يحل المشكلة. لأنه تحول لإنسان لا يفعل سوى التصريح للصحافة التونسية والعربية والعالمية بما يريد أن يقوله حول نوبل نجيب محفوظ. وأنه كان الأحق بها من نجيب محفوظ.

قال لى نجيب محفوظ بعد وفاة يوسف إدريس أنه قال ليوسف: من حقه أن يهاجم الجائزة. هذا حق متاح للجميع. لكن ليس من حقه الهجوم على نجيب محفوظ نفسه. ولا أحقيته لها. فتلك أمور لها لجان تحكيم مسئولة عن قرارها. ونجيب غير مسئول عن حصوله على نوبل. ولم يقرر ذلك. وبالتالى فإن الهجوم عليه لا معنى له. وأن يوسف إدريس التزم بهذا يوماً أو يومين بعد الاتفاق. لكنه لم يعد يتذكره.

نصل الآن إلى الحكاية القديمة:

كان الشاعر المصرى محمد الجيار يعتقد فى قرارة نفسه أنه يستحق جائزة نوبل. وكان قد أصدر ديوانه الشعرى “وعلى الأرض السلام” وما دام نوبل قد نذر جائزته من أجل السلام فلن يحصل عليها سواه، كان الجيار يتحدث عن الجائزة. واستحقاقه لها. وأنه سيكون أول عربى يحصل عليها.

التقط عبد الرحمن الخميسى الحلم. وفى نفس يوم إعلان الجوائز قام بعمل نسخة مصنوعة من برقية وكالة أنباء الشرق الأوسط تقول أنه – أى محمد الجيار – حصل على الجائزة. وطلب من شخص أن يحمل له البرقية إلى البيت.

ورغم أن الحكاية فيها العديد من الثقوب والعيوب ولو أن الجيار أعمل فكرة فيها لأدرك الملعوب. الخبر لا يصل على الوكالة التى لم يكن لها مندوبين فى دول أوروبا الغربية فى ذلك الوقت. وحتى إن جاء الخبر هكذا. فلا يمكن إرساله إلى البيت لأن الوكالة ليست مكتب تلغرافات. كما أن البرقية تخلو من عنوان الأستاذ الجيار. ولكن الجيار الذى كان مهيأ من الناحية النفسية لأن يصبح صاحب أول نوبل لم ير أمامه سوى أنه حصل عليها.

كان اليوم الخميس. والغد الجمعة ولذلك كان عليه أن ينتظر ليوم السبت لكى يذهب إلى سفارة السويد ويسأل عن التفاصيل الباقية حتى يتسلم الجائزة. وحتى لا يضيع الوقت المتاح. دعا إلى مؤتمر صحفى فى بيته لكى يعلن بنفسه النبأ الذى من المفروض أن الدنيا تعرفه. ولأنه كان فى حالة من الزهو والخيلاء لم يستطع أن يرى حالات الابتسام التى كان يقابل بها فى كل مكان. وما أن أتى يوم السبت وذهب إلى سفارة السويد يسأل حتى كانت الحقيقة المؤسفة فى انتظاره.

المعاصرون للقصة يقولون أنه توفى بعد ذلك بفترة قصيرة وأن السبب الوحيد فى الوفاة كان صدمة نوبل. وقد فات المسئولون عن نوبل فى الأكاديمية السويدية أن ينشئوا سجلاً لضحايا الجائزة ينشر كل عام مثلما ينشرون أسماء الفائزين. لأن الضحية يدفع حياته. ولا يحصل على أى شئ. فى حين أن الفائز يكون قد قدم عرقه وجهده ولكنه يحصل أخيراً على تتويج لجهده. وهكذا كان الشاعر الرومانسى الحالم محمد الجيار أول شهيد للجائزة التى رصدها صاحبها حتى لا يكون هناك شهداء جدد فى هذا العالم.

الغريب أنه بعد حصول نجيب محفوظ على نوبل لم يفكر أى كاتب من الكتاب الذين عاصروا الواقعة فى أن يقدم شهادته حولها. حتى تبقى حية للأجيال القادمة وحتى تقدم دراما لقاء كاتب ساذج وطيب مع قسوة المثقفين التى تصل إلى حدود القتل فى بعض الأحيان.

ويخيل إلىَّ أن يوسف إدريس قد تعرض هو الآخر لخديعة من هذا النوع. ذلك أن اهتمام يوسف إدريس بالجائزة قد بدأ بعد أن قام بعض أساتذة الأدب العربى بالتدريس فى جامعات السويد. وعادوا ليقولوا له أنهم رشحوه للجائزة.

نجيب محفوظ قال لى تعليقاً على ذلك أنه من حق أى كاتب أن يرسل ترشيحه للجنة الجائزة سواء لنفسه أو لغيره. وأن مئات الآلاف من الترشيحات تصل إلى هناك. ولكن هذه الترشيحات تخضع لعملية غربلة شديدة. وهناك العديد من التصفيات التى تراعى اعتبارات كثيرة. حتى يتم الوصول إلى الفائز النهائى.

فهل كان يوسف إدريس مرشحاً؟ وإلى متى صمد أمام التصفيات وإلى أى المرحل وصل؟ أسئلة كلها فى حاجة إلى إجابات؟ خاصة وأن لجنة نوبل لا تفرج عن وثائقها أبداً. وستظل فى طى الكتمان إلى أن نعرفها من مصادرها.

يوسف إدريس قال لى والألم يمزقه أنه تعرض لخديعة كبرى. وأنه رفض الحصول عليها مناصفة مع كاتب إسرائيلى. والذين يدعون العلم ببواطن المور يقولون أن يوسف إدريس وافق على هذه الشراكة وإن كان أصحاب الجائزة لم يثقوا بهذه الموافقة والكل يعلم موقف يوسف إدريس من جائزة حوار التى قبلها وبعد الإعلان رفضها. ويقولون أيضاً أن هذا الرفض كان متفقاً عليه بين يوسف إدريس والحكومة المصرية قبل إعلانه.

على أنى أعتقد أن يوسف إدريس مات لحظة سماعه أن نجيب محفوظ حصل عليها. صحيح أن الوفاة تمت بعد هذا. ولكن الموت لا يأتى مرة واحدة. أتصور أنه فقد الرغبة فى مواصلة الحياة لحظتها.

على أن فصول العرب ونوبل ما زالت فيها حكايات.

ads

تابعنا على الفيس بوك

hao123