...

في ذكرى ميلاده المئة.. البابا شنودة حكيم عصره الذي أحبه  الجميع

شاعر وصحفي وضابط احتياط في الجيش المصري

 

تحتفل الكنيسة الأرثوذكسية اليوم بالذكرى المئة لميلاد  قداسة البابا شنودة الثالث،ذلك الرجل الذي حظي بمحبة واحترام الجميع، مسيحيين ومسلمين، ولم لا ومواقفه وكتاباته تفصح عن شخصية نادرة امتلكت من الحكمة والثقافة والإنسانية ماندر أن يمتلكه غيرها

رحلة  قداسة البابا شنودة الثالث ، امتدت على مدار سنوات خلال فترة حياته وخدمته فى الكنيسة الأرثوذكسية كراهب وكاتب لأكثر من 137 كتابا وقصيدة، ورئيس تحرير مجلة مدارس الأحد ،وعضوية نقابة الصحفيين، وبعد ذلك جلوسه على مقعد مارمرقس كبطريرك للكرازة المرقسية.

ولد البابا شنودة فى 3 أغسطس 1923، وتوفى 17 مارس 2012، والتحق بجامعة فؤاد الأول، فى قسم التاريخ، وبدأ بدراسة التاريخ الفرعونى والإسلامى والتاريخ الحديث، وحصل على الليسانس بتقدير ممتاز عام 1947، وتخرج فى الكلية الإكليركية، وعمل مدرسًا للغة العربية والإنجليزية، وكان يجيد كتابة الشعر، وعمل لعدة سنوات محررًا، ثم رئيسًا لتحرير مجلة «مدارس الآحاد»، وجُند ضابطا بالجيش، ونُصّب بابا وبطريرك للكرازة المرقسية فى 14 نوفمبر 1971، وتلاقى موقفه مع موقف الجماعة الوطنية الرافض التطبيع، وهو ما أكسبه شعبية كبيرة.

العديد من الروايات التاريخية تؤكد أن أبويه اختارا اسم “نظير جيد”، ولكن تأخر تسجيل اسمه فى كشوف المواليد بسبب إصابة والدته بالحمى، وتوفيت وتركت رضيعها مما جعل نساء القرية يرضعنه، وجاءت الوفاة فأنستهم تسجيل اسمه فى دفاتر المواليد ولم تستخرج له شهادة ميلاد، وبعد أن أتم فترة رضاعته اصطحبه شقيقة الأكبر ليعيش معه فى دمنهور بمحافظة البحيرة، وعندما جاء سن دخول المدارس اضطر شقيقه إلى إلحاقه فى مدرسة أهلية بسبب عدم وجود شهادة ميلاد له.

ولقداسة البابا شنودة الثالث العديد من المواقف الوطنية والإنسانية النبيلة ،منها فى حرب أكتوبر 1973،عندما طلب من المصريين الأقباط الإسهام فى دعم المجهود الحربى، وشكّل لجنة لجمع التبرعات وأخرى للإعلام الخارجى، وكتب عددًا من المقالات كان لها أبلغ الأثر فى دعم الجنود على الجبهة وحث المواطنين على دعم ومساندة الجبهة الداخلية، وكانت مقالاته خير رسائل للداخل والخارج، ومنها: «إننا ندافع عن أراضينا، وهو دفاع عن الحق»، «أرض سيناء مقبرة للإسرائيليين»، «الصهاينة أعداء المسيحية».. وبعد الحرب، زار محافظات القناة، وألقى كلمات محفزة للجنود، وحيّاهم على مواقفهم البطولية، ووضع إكليلا من الزهور على النصب التذكارى للشهداء.

وفى منهجه القويم فى التعبير عن رفض السياسات ومعارضتها وعدم تخريب أو إفساد الممتلكات العامة والخاصة قال: «التخريب ليس هو الوسيلة المعبرة عن الرأى، ولا هو الوسيلة الموصلة إلى الإصلاح، إن الضمير لا يرضى بالتخريب، ولا الرب يباركه، ونحن الذين سندفع ثمنه مستقبلًا حينما تزال آثاره من أموال وطننا وشعبنا، وإن اقتصاد بلادنا يحتاج منا أن نسانده جميعا، وأن نفكر فى إصلاحه برويّة وهدوء، وبالحوار وتبادل الرأى»، مشددًا على الحوار والمحبة بين أبناء الوطن الواحد، ومشيرًا إلى أن «البُعد جفوة» قائلًا: «وأنا واثق بأننا كلما التقينا، زدنا ترابطا وتماسكا.. وكلما فهمنا بعضنا البعض بأسلوب أوسع، كان هذا الأمر تأثيره على أولادنا من المسلمين والمسيحيين».

ونسب له، من كثرة استخدامها، مقولة مكرم عبيد: «مصر ليست وطنا نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا، يعيش فى داخلنا»، وأضاف لها: «مصر هذه نحبها الحب كله، ونحرص على سمعتها كل الحرص فى الداخل والخارج، ونبذل كل جهدنا لكى تكون صورة مشرقة فى كل مكان، جميلة عند كل شعوب العالم، تليق بعبارة الكتاب المقدس التى قال فيها الله مبارك شعبى مصر.. مصر هى أغنيتنا الحلوة،ومصر هذه هى وطننا الذى قال الكتاب عن بعض البلاد كجنة الله كأرض مصر.. فإن الحب الذى فينا لا يعرف تعصبًا ولا تفريقًا، فنحن إخوة فى هذا الوطن.. إن وطنية الأقباط لم تكن فى يوم من الأيام موضع سؤال، ولن تكون، وتاريخ مصر يسجل فى كل حين مواقف مشرفة وطنية للأقباط إلى جوار إخوانهم المسلمين.. نود أن نحتفظ بهذا الحب على الدوام، لا تؤثر فيه أحداث مؤقتة، لأن الحب أكبر من الأحداث..». وعندما نما لعلمه دعوة البعض لإقامة مؤتمر لحماية الأقليات، ووضع الأقباط ضمن الأقليات.. أصدر بيانا قال فيه: «نحن مصريون، جزء من شعب مصر ولسنا أقلية فى مصر- ولا أحب أن نعتبر أنفسنا أقلية، ولا أن يسمينا البعض أقلية، فكل من عبارة أغلبية وأقلية إنما تدل فى أسلوبها على التفرقة والتمييز أو التمايز بالنسبة إلى البعض- وهذا لا يليق بالنسبة لأبناء الوطن الواحد»، مؤكدًا أن مشاكلنا تحل داخل مصر وليس خارجها، والأقباط يرفضون أن يمارس أحد وصاية عليهم، ولا يقبلون أى حماية من دولة أجنبية، وأكد «أننا نرفض أى تدخل أجنبى فى شؤوننا الداخلية تحت أى مسمى»؛ فيا لها من مواقف وطنية تحسب له!.

وكان يمتلك من الحكمة الكثير، حتى أطلق عليه «حكيم عصره»، بالإضافة إلى حفظه القرآن الكريم والشعر والأمثال الشعبية. وعن أهمية الكلمة وخطورتها، أشار إلى «أن الكلمة التى تقولها تُحسب عليك مهما اعتذرت عنها»، و«الإنسان العادل صاحب العقل الحر يقول عن الحق إنه حق ولو كان صادرًا من عدوه، ويقول عن الباطل إنه باطل ولو كان صادرًا من أبيه أو أخيه»، وفى حديثه إلى الشباب، قال: «حياتك بكل طاقتها وزنة سلمها لك الله، لذلك يلزمك أن تنمى شخصيتك بصفة عامة لتتحول إلى شخصية قوية سويّة سواء فى العقل أو الضمير أو الإرادة أو المعرفة أو الحكمة والسلوك أو الحكم على الأمور أو النفسية السوية»، مشيرًا إلى أنه قابل فى حياته أشخاصًا كل مواهبهم النقد وليس البناء، «ينتقدون كثيرًا، ولا يفعلون شيئًا إيجابيًا، والنقد سهل، إنما الصعوبة فى البناء.. من السهل أن تنقد قصيدة من الشعر، ولكن من الصعب أن تكتب بيتًا واحدًا، وإن لم تستطع أن تحمل عن الناس متاعبهم فعلى الأقل لا تكن سببا فى إتعابهم”

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى